نوكيا الشرق الاوسط, بلوتوث, برامج, العاب, ثيمات, نغمات, جوال نوكيا
Site Map RSS HTML XML NOKIA TAGS Site Map

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) :: سورة الانبياء


العودة   نوكيا الشرق الاوسط, بلوتوث, برامج, العاب, ثيمات, نغمات, جوال نوكيا > المنتديات العامة - General Section > المنتدى الإسلامي - Islamic Section

المنتدى الإسلامي - Islamic Section جميع النقاشات التي تخدم ديننا الإسلامي الحنيف

التسجيل السريع
زائرنا العزيز, سجلاتنا تفيد بأنك غير مسجّل ,, ان رغبت بالتسجيل فيسعدنا ذلك و يشرفنا انضمامك الى اسرتنا,, ::> ملاحظة هامة <:: نرجوا عدم التسجيل بأميلات الياهوو لأنها لا تعمل في منتدانا .. لذا جرى التنبيه

إسم العضو كلمة المرور تأكيد كلمة المرور البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
 
التحقق من الصورة.
رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.

  هل انت موافق؟ قوانين المنتدى 


الصيام وحكمته.

المنتدى الإسلامي - Islamic Section


موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20-10-2005, 09:56 PM
الصورة الرمزية هـــاوي
كبير مشرفي

منتدى الثيمات و الرسائل Symbian OS S60-S80-S90
 




هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1 هـــاوي has a reputation beyond repute1

إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى هـــاوي

Lightbulb الصيام وحكمته.

أولاً :الصيام وحكمته
.

1-أنواع العبادة في الإسلام:.

خلق الله سبحانه الناس ليعرفوه ويعبدوه، قياما بحق ربوبيته، وألوهيته، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات: 56).

لهذا جعل الإسلام التعبد لله تعالى، هو أول ما يطالب به المسلم، وكانت أركان الإسلام، ومبانيه العظام، تتمثل في عبادات لله تعالى، هي - بعد الشهادتين - إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام.

وقد نَوَّع الإسلام في عباداته التي شرعها:.

فمنها: العبادة التي يؤديها المسلم بجهده البدني كالصلاة والصيام، وتُسمى: العبادة البدنية.

ومنها: ما يؤديه بذلاً من ماله لله، كالزكاة والصدقات، وتُسمى: العبادة المالية.

ومنها: ما يجمع بينهما، كالحج والعمرة.

كما أن منها: ما يتمثل في الفعل، كالصلاة والزكاة والحج.

ومنها: ما يتمثل في الترك والكف، وهو الصيام.

على أن هذا الكف والترك ليس أمرًا سلبيًا، فإن الذي جعله عبادة هو أن المسلم يقوم بذلك بإرادته واختياره، قاصدًا التقرب إلى الله تعالى، فهو بهذا عمل بدني، ونفسي إيجابي، له ثقله في ميزان الحق.

.
2-معنى الصيام الشرعي:.

فالصيام المأمور به، والمُرغَّب فيه في القرآن والسنة إنما هو ترك وكف وحرمان، وبعبارة أخرى: إمساك وامتناع عن الاستجابة لما كان مباحًا من شهوة البطن، وشهوة الفرج، بنية التقرب إلى الله تعالى.

فهذا هو الصوم الشرعي: إمساك وامتناع إرادي عن الطعام والشراب، ومباشرة النساء وما في حكمها، خلال يوم كامل: أي من تَبَيُّن الفجر إلى غروب الشمس، بنية الامتثال والتقرب إلى الله تبارك وتعالى.

والدليل على أن الصيام الشرعي هو الإمساك عن الشهوتين كما ذكرنا، قوله تعالى في بيان أحكام الصيام في سورة البقرة: (أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة :187).

فقد بينت هذه الآية الكريمة حقيقة الصيام المأمور به في الآيات قبلها، وبينت مدته كذلك.

فقد أباحت الآية المباشرة بين الرجال والنساء، أي الأزواج والزوجات، معللة ذلك بقوله: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، كما أباحت الأكل والشرب كذلك طوال الليل، حتى يتبين الفجر، ثم أمرت بإتمام الصيام من الفجر إلى الليل، ويدخل بغروب الشمس، كما سيأتي.

يؤكد ذلك من الحديث الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل -: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشهوته من أجلي" (متفق عليه، وسيأتي).

وفي بعض روايات الحديث: "يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي" (رواه ابن خزيمة في صحيحه).

ويبدو أن هذا المعنى للصوم كان معروفًا لدى العرب قبل الإسلام، فقد صح أنهم كانوا يصومون عاشوراء في الجاهلية، تعظيما له، ولهذا لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء، ثم أمرهم بصيام رمضان كما في قوله تعالى: (كُتب عليكم الصيام) فهموا المعنى المقصود، وبادروا إلى تنفيذه.

ولما سأل الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فذكر له الصلوات الخمس وصوم رمضان، لم يسأله عن معنى الصوم، لأنه كان معلوما لديه، ولكن سأله: هل عليَّ غيره؟.

هذا الصوم الإسلامي هو أفضل أنواع الصيام، الذي عرفها البشر، فبعض أصحاب الأديان يصومون عن كل ذي روح فقط، ويأكلون ما لذَّ وطاب من ألوان الطعام والشراب، كما لا يصومون عن شهوة الفرج.

وبعضهم يصوم صيامًا يمتد أيامًا، فيجهد البدن، ويشق على النفس، ولا يقدر عليه إلا الخاصَّة، أما الصيام الواجب في الإسلام فهو لكل المسلمين المكلفين، خاصتهم وعامتهم.



3-حكمة الصوم:.

لم يُشَرِّع الإسلام شيئًا إلا لحكمة، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجهلها من جهلها، وكما لا تخلو أفعال الله تعالى من حكمة فيما خلق، لا تخلو أحكامه سبحانه من حكمة فيما شرع. فهو حكيم في خلقه، حكيم في أمره، لا يخلق شيئًا باطلاً، ولا يشرع شيئًا عبثًا.

وهذا ينطبق على العبادات وعلى المعاملات جميعًا، كما ينطبق على الواجبات والمحرمات أيضًا.

إن الله تعالى غني عن العالمين، وعباده جميعًا هم الفقراء إليه، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة، كما لا تضره معصية، فالحكمة في الطاعة عائدة إلى مصلحة المكلفين أنفسهم.

وفي الصيام حِكَم ومصالح كثيرة أشارت إليها نصوص الشرع ذاتها، منها:.

1- تزكية النفس بطاعة الله فيما أمر، والانتهاء عما نهى، وتدريبها على كمال العبودية لله تعالى، ولو كان ذلك بحرمان النفس من شهواتها، والتحرر من مألوفاتها، ولو شاء لأكل أو شرب، أو جامع امرأته، ولم يعلم بذلك أحد ولكنه ترك ذلك لوجه الله وحده، وفي هذا جاء الحديث: "والذي نفسي بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه من حديث أبي هريرة، اللؤلؤ والمرجان -706).

2- أن الصيام، وإن كان فيه حفظ لصحة البدن - كما شهد بذلك الأطباء المُختصون - ففيه أيضًا: إعلاء للجانب الروحي على الجانب المادي في الإنسان، فالإنسان - كما يصوره خلق آدم - ذو طبيعة مزدوجة، فيه عنصر الطين والحمأ المسنون، وفيه عنصر الروح الإلهي الذي نفخه الله فيه، عنصر يشده إلى أسفل، وآخر يجذبه إلى أعلى، فإذا تَغلَّب عنصر الطين هبط إلى حضيض الأنعام، أو كان أضل سبيلا، وإذا تغلب عنصر الروح ارتقى إلى أفق الملائكة، وفي الصوم انتصار للروح على المادة، وللعقل على الشهوة.

ولعل هذا سر الفرحة اليومية التي يجدها كل صائم كلما وفق إلى إتمام صوم يوم حتى يفطر، والتي عبر عنها الحديث النبوي: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -707).

3- يؤكد هذا أن الصوم تربية للإرادة وجهاد للنفس، وتعويد على الصبر، والثورة على المألوف، وهل الإنسان إلا إرادة؟ وهل الخير إلا إرادة؟ وهل الدين إلا صبر على الطاعة، أو صبر عن المعصية؟ والصيام يتمثل فيه الصبران.

ولا غَرْو أن سَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان: (شهر الصبر)، وجاء في الحديث: "صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحَر الصدر" (رواه البزار عن علي وابن عباس، والطبراني والبغوي عن النمر بن تولب، كما في صحيح الجامع الصغير -3804. ومعنى "وَحَر الصدر": أي غِشَّه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ وقيل غيره).

كما اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم "الصيام جُنَّة" (وردت هذه الجملة في عدة أحاديث عن عدد من الصحابة منها: عن أبي هريرة في الصحيحين). أي درعًا واقية من الإثم في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وفي الحديث: "الصيام جُنَّة من النار كجُنَّة أحدكم من القتال" (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن عثمان بن أبي العاص، كما في صحيح الجامع الصغير -3879). "الصيام جُنّة، وهو حصن من حصون المؤمن" (رواه الطبراني عن أبي أمامة، وحسنه في صحيح الجامع الصغير -3881).

4- ومن المتفق عليه أن الغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان في إغواء الإنسان، حتى اعتبرتها بعض المدارس النفسية هي المحرك الأساسي لكل سلوك بشري والناظر إلى معسكر الحضارة الغربية اليوم، وما يعاني من انحلال وأمراض يتبين له أن انحراف هذه الغريزة كان وراء كثير من الأوحال التي يرتكس فيها.

وللصوم تأثيره في كسر هذه الشهوة، وإعلاء هذه الغريزة، وخصوصًا إذا دووم عليه ابتغاء مثوبة الله تعالى، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم للشباب الذي لا يجد نفقات الزواج، حتى يغنيه الله من فضله، فقال:.

"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (رواه البخاري عن ابن مسعود في كتاب الصوم وغيره، ومسلم 1400). والباءة: كناية عن النكاح، والوجاء: الخصاء، والمراد: أنه يضعف الشهوة إلى النساء.

5- ومن حكم الصوم: إشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه، فإن إلْف النعم يفقد الإنسان الإحساس بقيمتها، ولا يعرف مقدار النعمة إلا عند فقدها، وبضدها تتميز الأشياء.

فإنما يحس المرء بنعمة الشِّبَع والرِّيّ إذا جاع أو عطش، فإذا شبع بعد جوع، أو ارتوى بعد عطش، قال من أعماقه: الحمد لله، ودفعه ذلك إلى شكر نعمة الله عليه. وهذا ما أشير إليه في حديث رواه أحمد والترمذي، قال فيه صلى الله عليه وسلم: "عَرَضَ عليّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكني أشبع يومًا، وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك!" (رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة، وحسنه السيوطي تبعًا للترمذي، فاعترضه المناوي بأن في سنده ثلاثة ضعفاء).

6- وهناك حكمة اجتماعية للصيام (وخصوصًا صيام رمضان): أنه - يفرض الجوع إجباريًا على كل الناس، وإن كانوا قادرين واجدين - يوجد نوعًا من المساواة الإلزامية في الحرمان، ويزرع في أنفس الموسرين والواجدين الإحساس بآلام الفقراء والمحرومين. أو كما قال ابن القيم: يذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.

وقال العلامة ابن الهمام: إنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذكر من هذا حاله في عموم الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه (فتح القدير -42/2).

وفي هذا التذكير العملي الذي يدوم شهرًا، ما يدعو إلى التراحم والمواساة والتعاطف بين الأفراد والطبقات بعضهم وبعض، ولهذا رُوي في بعض الأحاديث تسمية رمضان "شهر المواساة" (روى ذلك من حديث سلمان عند ابن خزيمة في صحيحه، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان). وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيه أجود بالخير من الريح المرسلة (فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما).

ومن أجل هذا كان من أفضل ما يثاب عليه: تفطير الصائم، وفي الحديث: "من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن زيد بن خالد، كما في صحيح الجامع الصغير -6415).

7- وجماع ذلك كله: أن الصيام يعدّ الإنسان لدرجة التقوى، والارتقاء في منازل المتقين، يقول الإمام ابن القيم:.

(وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها، أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) - (البقرة :185- زاد المعاد 29/2).

والحق أن صيام رمضان مدرسة متميزة، يفتحها الإسلام كل عام، للتربية العملية على أعظم القيم، وأرفع المعاني، فمن اغتنمها وتعرض لنفحات ربه فيها، فأحسن الصيام كما أمره الله، ثم أحسن القيام كما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نجح في الامتحان، وخرج من هذا الموسم العظيم رابح التجارة، مبارك الصفقة، وأي ربح أعظم من نوال المغفرة والعتق من النار؟.

روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.. ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه من حديث أبي هريرة).



ثانيًا :صيام رمضان وبم يثبت.

1-أنواع الصيام:.

والصيام من حيث حكمه أنواع: فمنه الفرض، ومنه التطوع، وبعبارة أخرى: منه الواجب، ومنه المستحب، ومنه المحرم، ومنه المكروه.

والواجب أو الفرض منه: ما هو فرض عين، وهو واجب بإيجاب الله تعالى باعتبار زمانه، وذلك هو صيام رمضان.

ومنه: ما هو واجب بسبب معين حقًا لله تعالى، وهو صيام الكفارات، مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ، ونحوها.

ومنه: ما هو واجب بإيجاب الشخص على نفسه، وهو صيام النذر.

وسنبدأ بالقسم الأول، وهو صيام رمضان، لما له من أهمية عظمى في دين الإسلام وحياة المسلمين.



2-صيام رمضان ركن من أركان الإسلام:.

صيام رمضان فريضة مقدسة وعبادة من عبادات الإسلام الشعائرية الكبرى، وركن من الأركان العملية الخمسة التي بني عليها هذا الدين.

وقد ثبت وجوبه وفرضيته بالكتاب والسنة والإجماع:.

فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيامًا معدودات) (البقرة: 183،184).

ثم قال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة :185).

وفي السنة: روى عمر في حديث جبريل المشهور عنه صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر، وروى نحوه أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه النسائي عن أبي هريرة وأبي ذر معًا، كما في صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني برقمي -2775،2776).

ونحوه: حديث ابن عمر المشهور المتفق عليه، الذي يحفظه خواص المسلمين وعوامهم: "بني الإسلام على خمس.." وعد منها: "صوم رمضان" (متفق عليه من حديث ابن عمر، كما في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي، طـ. الحلبي، الحديث رقم 9).

وحديث أبي هريرة: أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله، لا تشرك به شيئًا.. وتصوم رمضان.." (متفق عليه كما في المصدر السابق، رقم 8) الحديث.

وحديث طلحة بن عبيد الله عن الرجل النجدي الذي جاء يسأل عن الإسلام فذكر له الصلوات الخمس، ثم قال: "وصيام رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوع.." (متفق عليه - المصدر نفسه، رقم 6). الحديث.

والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، حفلت بها كل دواوين السنة من الصحيحين والسنن الأربعة، وغيرها، وهي متواترة تواترًا معنويًا.

وقد أجمع المسلمون من جميع المذاهب والطوائف، وفي جميع العصور، منذ عهد النبوة إلى اليوم، على وجوب صيام رمضان، وفرضيته العينية على جميع المسلمين المكلفين لم يشذ عن ذلك أحد في القديم ولا الحديث (انظر: بداية المجتهد لابن رشد، مع تخريجه: الهداية 126/5، طـ. عالم الكتب، بيروت).

فهو من الفرائض الثابتة بالتواتر اليقيني، المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يشترك في معرفة فرضيتها الخاص والعام، دون حاجة إلى نظر واستدلال.

ومن هنا يحكم علماء الأمة جميعًا بالكفر والردة على كل من ينكر فرضية صوم رمضان، أو يشكك فيها، أو يستخف بها، إذ لا معنى لذلك إلا التكذيب لله ورسوله والخروج جهرة عن دين الإسلام.

ولا يعذر في هذا إلا من كان حديث عهد بالإسلام، ولم يتهيأ له أن يعرف بَعْدُ أصول فرائضه، فيعطَى فرصة ليتفقه في الدين، ويعلم ما لم يكن يعلم، وهذا واجب عليه، وهو كذلك حقه على جماعة المسلمين، وخصوصًا القريبين منه.



3-متى فرض الصيام؟:.

فرض الصيام - كمعظم شرائع الإسلام - في المدينة بعد الهجرة.

فقد كان العهد المكي عهد تأسيس العقائد، وترسيخ أصول التوحيد ودعائم القيم الإيمانية، والأخلاقية، في العقول والقلوب، وتطهيرها من رواسب الجاهلية في العقيدة والفكر والخلق والسلوك.

أما بعد الهجرة، فقد أصبح للمسلمين كيان وجماعة متميزة، تُنَادى بـ: (يا أيها الذين آمنوا) فشرعت عندئذ الفرائض، وحدت الحدود، وفصلت الأحكام، ومنها: الصيام.

ولم يشرع في مكة إلا الصلوات الخمس، لِمَا لها من أهمية خاصة، وكان ذلك في ليلة الإسراء، في السنة العاشرة من البعثة على الأشهر.

وبعد ذلك بخمس سنوات أو أكثر فرض الصيام، أي في السنة الثانية من الهجرة وهي السنة التي فرض فيها الجهاد فتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات (زاد المعاد (30/2) طـ. مؤسسة الرسالة، بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط).

يقول ابن القيم في (الزاد):.

(لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها، وشهواتها، من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج) (زاد المعاد -30/2 طـ. مؤسسة الرسالة، بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط).



4- مراحل تشريع الصيام:.

شرع صيام رمضان على مرحلتين:.

المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي تخيير المكلف المطيق للصوم بين أمرين: الصيام، وهو الأفضل، والإفطار مع الفدية، وهي إطعام مسكين، فمن زاد على ذلك فهو خير وأبقى.

وفي هذا جاء قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (البقرة: 183،184).

فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى.

والمرحلة الأخرى: مرحلة الإلزام والتحتيم: أي الإلزام بالصوم، ونسخ التخيير، الذي رخصت فيه الآية السابقة.

وفي ذلك نزل قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة :185).

ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -702). وفي رواية لمسلم: حتى أنزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).

وقالت عائشة: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فَرْض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.

وكذلك روى البخاري عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود مثله.

فأوجب الله الصيام على الصحيح المقيم، ورخص في الإفطار للمريض والمسافر.

وهذا هو المنهج الحكيم الذي اتخذه الإسلام في تشريعاته، سواء في فرض الفرائض أم في تحريم المحرمات، وهو منهج التدرج في التشريع، الذي يقوم على التيسير لا التعسير.

وهذه المرحلة الإلزامية جاءت أيضًا على رتبتين، كان في الأولى تشديد عليهم، وفي الثانية تخفيف ورحمة.

فقد كانوا يأكلون ويشربون ويباشرون نساءهم ما لم يناموا أو يصلوا العشاء فإذا ناموا وصلوا العشاء لم يجز لهم شيء من ذلك إلى الليلة القابلة.

وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طول يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت امرأته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبته عينه من الجهد ونام، دون أن يتناول طعامًا، وعندما انتصف النهار في اليوم التالي غشي عليه من شدة المشقة.

كما روي أن بعض الصحابة - ومنهم عمر وكعب بن مالك - قد أصابوا من نسائهم بعد ما ناموا، أو نامت نساؤهم، وشق عليهم ذلك، وشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل المرحلة الثالثة التي استقر عليها أمر الصيام، وهي قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة :187).

ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، فقد أباح لهم الرفث - أي الجماع - والطعام والشراب في جميع الليل، إلى تبين الفجر، رحمة ورخصة ورفقًا، وعفا عما وقع منهم من تجاوزات.



5-لماذا فرض الله الصوم شهرًا قمريًا؟.

فرض الله الصيام شهرًا قمريًا لجملة حكم وأسباب، منها:.

1- أن توقيت المسلمين كله بالأشهر القمرية، كما في حول الزكاة، والحج، وعِدَد النساء، وغيرها، قال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (البقرة :189).

2- أن توقيت المسلمين بالأشهر القمرية، توقيت طبيعي، تدل عليه علامة طبيعية هي ظهور الهلال.

3- أن الشهر القمري يتنقل بين فصول العام، فتارة يكون في الشتاء، وطورًا يكون في الصيف، وكذا في الربيع والخريف، فمرة يأتي في أيام البرد، وأخرى في شدة القيظ، وثالثة في أيام الاعتدال، وتطول أيامه حينًا، وتقصر حينًا، وتعتدل حينًا.

وبذلك يتاح للمسلم ممارسة الصوم في البرد والحر، وفي طوال الأيام وقصارها.

وفي هذا توازن واعتدال من ناحية، وإثبات عملي لطاعة المسلم لربه وقيامه بواجب العبادة له في كل حين، وفي كل حال.

6-الشهر (29) أو (30) يومًا:.

والشهر القمري لا ينقص عن 29 يومًا، ولا يزيد عن 30 يومًا، ثبت ذلك بنصوص الشرع، كما ثبت باستقراء الواقع.

وجاء في الحديث الصحيح: أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين، بَيَّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بالقول والإشارة (انظر: حديث ابن عمر المتفق عليه في اللؤلؤ والمرجان -654 و 655 وحديث أم سلمة -658).

وسواء كان الشهر ثلاثين أم تسعة وعشرين، فإن الأجر عند الله واحد في الصيام والقيام والعمل الصالح، وهذا معنى الحديث المتفق عليه: "شهران لا ينقصان، شهرًا عيد: رمضان وذو الحجة" (انظر: اللؤلؤ والمرجان -659). وإنما خصهما بالذكر لتعلق فريضتين عظيمتين من فرائض الإسلام بهما، فالأول شهر الصوم، والثاني شهر الحج.

وقد قال ابن مسعود: ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين (أبو داود -2322 والترمذي -689 وأحمد -3776 و 3840 و 3871 وغيرها).

7-بماذا يثبت دخول الشهر؟.

وإذا كان الله تعالى قد فرض صيام رمضان - وهو شهر قمري - فمن لازم ذلك أن يكون ثبوت دخوله بظهور الهلال في الأفق، فالهلال هو العلامة الحسية لدخول الشهر، وفي هذا يقول القرآن: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (البقرة :189) وكذلك خروجه بظهور هلال شوال.

ولكن: ما الوسيلة لإثبات ظهور الهلال؟.

هنا شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوسيلة الطبيعية الميسورة للأمة المقدورة لجميع الأمة والتي لا غموض فيها ولا تعقيد، والأمة في ذلك الوقت أمية لا تكتب ولا تحسب، وهذه الوسيلة هي رؤية الهلال بالأبصار.

فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: صوموا لرؤيته (أي الهلال)، وأفطروا لرؤيته، فإن غَبِي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان، -656، ومعنى "غَبِي": من الغباء، وهو الغبرة في السماء).

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" (نفسه -653، ومعنى "غُمَّ": أي خفي وغطى سحاب أو قترة أو غير ذلك).

وكان هذا رحمة بالأمة، إذ لم يكلفها الله العمل بالحساب، وهي لا تعرفه ولا تحسنه، فلو كلفت ذلك لقلدت فيه أمة أخرى من أهل الكتاب أو غيرهم ممن لا يدينون بدينها.





6-الحساب الفلكي وإثبات الصيام والفطر

س : لا ريب أنكم تحسـون بما نحس به من أسى وأسـف، في كل عام مـرة أو مـرتين، كلما جاء شهر رمـضـان، الذي فرض الله صيامه، وكلما جاء شـوال ومعه عيد الفطر .

ففي هاتين المناسبتين الكريمتين اللتين يتوقع أن يجتمع عليهما المسلمون كل المسلمين، فيتحد صومهم إذا صاموا، وفطرهم إذا أفطروا، أعني أنهم يبدءون الصيام معًا، والعيد معًا، نرى الخلاف منتشرًا في إثبات دخول الشهر، والخروج منه، بين بلد وآخر، وربما كانا متجاورين، حتى رأينا الفرق بين البلدان الإسلامية بعـضها وبعض يبلغ ثلاثة أيام.

ولقد رأيتنا في بعض السنين ونحن في بلد واحد (المغرب العربي) نختلف فيما بيننا اختلافًا شاسعًا، في بداية الصيام ونهايته، تبعًـا لاختلاف البلاد الإسلاميـة والعربية في ذلك .

فبعـضنا صام في يوم .. مع المملكة العربية السعودية، وبعض بلاد الخليج في المشرق، وبعـضنا صام في اليوم التالي مع جيراننا في الجزائر وتونس في المغرب، وجمهور الناس صاموا في اليوم الذي بعده، تبعًا لإعلان الجهات الدينية المسئولة في بلدنا.

وحدث مثل ذلك مرة أخرى عند نهاية رمـضان وبداية شوال، وثبوت العيد، فبعـضنا عيّد في يوم، والآخر بعد يومين!!

فهل يقبل الاختلاف بين المسلمين إلى هذا الحد ؟

ولماذا لا يأخذ المسلمون بالحساب الفلكي، وقد بلغ في عصرنا مبلغًا عظيمًا، حتى استطاع الإنسان الصعود إلى القمر ذاته، فهل يعجز ـ بواسطة ما علّمه الله ـ أن يعرف أوُلِدَ الهلالُ أم لا ؟

إن بعض العلمانيين يتخذ من ذلك دليلاً على عجز الإسلام عن مواجهة العصر، والأكثر أدبًا من هؤلاء يـضيفون العجز والتخلف إلى ممثلي الإسلام من العلماء والجامعات المنتسبة إلى الشرع والدين .

فهل الباب مسدود حقًا أمام أي اجتهاد في هذا الأمر ؛ لأن الحديث الشريف يقول: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " أي الهلال، فعلق الصوم والفطر بالرؤية لا بالحساب، أو أن الأمر قابل للاجتهاد؟

نرجو أن تنورونا في هذا الموضوع بما يشرح اللّه به صدركم، بعيدًا عن تزمت المتزمتين، وتسيب المتسيبين، أطال الله عمركم في نصرة الدين، وتفقيه أمة المسلمين.

ش . ف

الربـاط / المغـرب

جـ : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...

فقد تعرضت لمسألة إثبات دخول الشهر بالحساب الفلكي في كتابين من كتبي، وهما:

1ـ فقه الصيام.

2ـ وكيف نتعامل مع السنة النبوية.

وفي أولهما بينت: أن الشريعة الإسلامية السمحة حين فرضت الصوم في شهر قمري ـ شرعت في إثباته الوسيلة الطبيعية الميسورة والمقدورة لجميع الأمة، والتي لا غموض فيها ولا تعقيد، والأمة في ذلك الوقت أميَّة لا تكتبُ ولا تحسب، وهذه الوسيلة هي رؤية الهلال بالأبصار.

فعن أبي هريرةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صوموا لرؤيته ــ أي الهلال ــ وأفطروا لرؤيته فإن أغبى عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين ". (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان، 656، معنى (أغبى) : من الغباء وهو الغبرة في السماء).

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : " لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غَمَّ عليكم فاقدروا له " نفسه، 653، ومعنى (غم) : أي أخفي وغطي بسحاب أو قترة أو غير ذلك

وكان هذا رحمةً بالأمة، إذ لم يكلفها اللهُ العمـل بالحســاب، وهي لا تعرفـه ولا تحسنه،، فلو كلفت ذلك لقلدت فيه أمة أخرى من أهل الكتاب أو غيرهم ممن لا يدينون بدينها .



7-ثلاث طرق لإثبات دخول رمـضان

وقد أثبتت الأحاديث الصحاح أن شهر رمضان يثبت دخولهُ بواحدة من ثلاث طرق:

1ـ رؤية الهلال.

2ـ أو إكمال عدة شعبان ثلاثين.

3ـ أو التقدير للهلال.

فأما الرؤيةُ:

فقد اختلف فيها الفقهاء : أهي رؤية واحد عدل، أم رؤية عدلين اثنين، أم رؤية جم غفير من الناس ؟

فمَنْ قال : يقبل شهادة عدل واحد، استدلَّ بحديث ابن عمر، قال : تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه (رواه أبو داود (2342)، والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، قال الدارقطني : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة، ذكره النووي في المجموع 276/6) . . وبحديث الأعرابي الذي شهدَ عند النبي أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً فنادى في الناس " أن يقوموا ويصوموا " (رواه أبو داود (2341)، والترمذي مرسلا ومسندا، وقال : فيه اختلاف (691)، والنسائي، وقال : المرسل أولى بالصواب، وابن ماجة 1652)، وفي سنده مقال . كما قالوا : إن الإثبات بعدل واحد أحوط للدخول في العبادة، وصيام يوم من شعبان أخف من إفطار يوم من رمضان.

ومَنْ اشترط في الرؤية عدلين، استدل بما روى الحسين بن حريث الجدلي قال : خطبنا أمير مكة الحارث بن حاطب، فقال : أمرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننسكَ لرؤيته، فإن لم نَرهُ فشَهدَ شاهدان عدلانِ نَسَكْنا بشهادتيهما (رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، ورجاله رجال الصحيح، إلا الحسين بن حريق وهو صدوق وصححه الدارقطني في نيل الأوطار 261/4 ط دار الجيل بيروت). وقياسًا على سائر الشهود، فإنها تثبت بشهادة عدلين ..

أمّا من اشترط الجم الغفير أو الجمع الكثير فهم الحنفية، وذلك في حالة الصحو، فقد أجـازوا في حالة الغيم أن يشهد برؤيته واحد، إذ قد ينشقُّ عنه الغيم لحظـة فيراه واحـد، ولا يراه غيره من الناس . ولكن إذا كانت السماءُ مصحة، ولا قَتَر ولا سحابَ ولا علةَ، ولا حائل يحول دون الرؤية، فما الذي يجعل واحدًا من الناس يراه دون الآخرين ؟ لهذا قالوا: لابد من إخبار جمع عظيم؛ لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية ـ مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه، مع فرض عدم المانع، وسلامة الأبصار ـ وإن تفاوتت في الحدة ظاهر في غلطه (ذكره في حاشية ابن عابدين نقلا عن البحر 92/2).

وأما خبر ابن عمر والأعرابي ـ وفيهما إثبات الهلال برؤية واحد ـ فقد قال العلامة رشيد رضا في تعليقه على " المغني" : (ليس في الخـبرين أن الناس تراءوا الهلالَ، فلم يره إلا واحد، فهما في غير محل النزاع، ولاسيما مع أبي حنيفة، وبهذا يبطل كل ما بني عليهما). (انظر التعليق على المغني مع الشرح 93/3).

وأمَّا عدد الجمع العظيم فهو مفوض إلى رأي الإمام أو القاضي من غير تقدير بعدد معين على الصحيح

(انظر الاختيار في شرح المختار 29/1) . ومن الواجب على المسلمين التماس الهلال يوم التاسع والعشرين من شعبان عند الغروب ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلاَّ أنه واجب على الكفاية .

والطريقة الثانية:

إكمال عدة شعبان ثلاثين، سواء كان الجو صحوًا أم غائمًا، فإذا تراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ولم يره أحد، استكملوا شعبان ثلاثين .

وهنا يلزم أن يكون ثبوت شعبان معروفا منذ بدايته، حتى تعرف ليلة الثلاثين التي يتحرى فيها الهلال، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية . وهذا أمرٌ يقع فيه التقصير؛ لأن الاهتمام بإثبات دخول الشهور لا يحدث إلا في أشهر ثلاثة فقط : رمضان لإثبات الدخول في الصيام، وشوال لإثبات الخروج منه، وذي الحجة لإثبات يوم عرفة وما بعده . وينبغي على الأمةِ، وعلى أولي الأمر فيها التدقيق في إثبات الشهور كلها ؛ لأن بعضها مبني على بعض .

والطريقة الثالثة:

هي التقدير للهلال عند الغيم، أو كما قال الحديث : " إذا غمَّ عليكم " أو " غمي عليكم " أو "غبي عليكم" أي حال دونه حائل، ففي بعض الروايات الصحيحة، ومنها مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي السلسلة الذهبية، وأصَحّ الأسانيد عند البخاري : " إذا غم عليكم فاقدروا له "، فما معنى " اقدروا له"؟

قال النووي في المجموع : (قالَ أحمد بن حنبل وطائفةٌ قليلة : معناه : ضيِّقوا له، وقدروه تحت السحاب، من " قدر " بمعنى ضيق كقوله : (قُدِرَ عليه رِزْقهُ) وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم .

وقال مطرِّف بن عبد الله ـ من كبار التابعين ـ وأبو العباس بن سريج ـ من كبار الشافعية ـ وابن قتيبة وآخرون : معناه : قدروه بحسب المنازل .

وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف : معناه : قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا .

واحتج الجمهور بالروايات التي ذكرناها، وكلها صحيحة صريحة : " فأكملوا العدة ثلاثين "، " فاقدروا له ثلاثين "، وهي مفسرة لرواية : " فاقدروا له " المطلقة). (المجموع 270/6).

ولكن الإمام أبا العباس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخروي، بل نقل عنه ابن العربي أن قوله : " فاقدروا له " : خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله : "أكملوا العدة " خطاب للعامة. (انظر : فتح الباري 23/6، ط .الحلبي).

واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد، وهو أساس لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال

قال الإمام النووي في المجموع : (ومن قال بحساب المنازل، فقوله مردود، بقوله ص في الصحيحين : " إنَّا أمةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب " ... الحديث .

قالوا : ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم ؛ لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار). (المجموع 270/6، ط .المنيرة).

والحديث الذي احتج به الإمام النووي ـ رحمه الله ـ لا حجة فيه ؛ لأنه يتحدث عن حال الأمة، ووصفها عند بعثته لها عليه الصلاة والسلام، ولكن أميتها ليست أمرًا لازمًا ولا مطلوبًا، وقد اجتهد عليه الصلاة والسلام أن يخرجها من أميتها بتعليم الكتابة، وبدأ بذلك منذ غزوة بدر، فلا مانع أن يأتي طور على الأمة تكون فيه كاتبة حاسبة . والحساب الفلكي العلمي الذي عرفه المسلمون في عصور ازدهار حضارتهم، وبلغ في عصرنا درجة من الرقي تمكن بها البشر من الصعود إلى القمر، هو شيء غير التنجيم أو علم النجوم المذموم في الشرع .

وأمَّا الاعتبار الآخر الذي ذكره النووي، وهو أن الحساب لا يعرفه إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فقد يكون صحيحًا بالنسبة إلى زمنه ــ رحمه الله ــ ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة إلى زمننا، الذي أصبح الفلك يدرس فيه في جامعات شتى، وغدت تخدمه أجهزة ومراصد على مستوى رفيع وهائل من الدقة . وقد أصبح من المقرر المعروف عالميًا اليوم : أن احتمال الخــطأ في التقـديرات العلمـية الفلكـية اليوم هو نســبة 1 ـ 00000 1 في الثانية!!.

كما أن البلدان الكبار والصغار الآن أصبحت متقاربة، وكأنما هي بلد واحد، بل غدا العالم، كما قيل " قرية كبرى" ! ونقل الخبر من قطر إلى آخر، ومن مشرق إلى مغرب، وبالعكس لا يستغرق ثواني معدودة .

وقد ذهب أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية، إلى أن الرجل الذي يعرف الحساب، ومنازل القمر، إذا عرف بالحساب أن غدا من رمضان فإن الصوم يلزمه ؛ لأنه عرف الشهر بدليل، فأشْبَهَ ما إذا عرف بالبينة . واختاره القاضي أبو الطيب ؛ لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه ما لَوْ أخـبره ثقة عن مشاهدة . وقال غيره : يجـزئهُ الصـوم ولا يلزمه . وبعضهم أجاز تقليده لمن يثق به. (انظر : المجموع 279/6، 280).

وقد ذهب بعض كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي العلمي القطعي، وكتب في ذلك المحدث الكبير العلامة أحمد محمد شاكر ـ رحمه الله ـ رسالته، في " أوائل الشهور العربية : هل يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي ؟ " وسنعود لنقل رأيه مفصلا .

ومـن المنـادين بهـذا الرأي في عصــرنا الفقــيه الكـبير الشــيخ مصطـفى الزرقـــا ـ حفظه الله ـ.

والذي يظهر من الأخبار أن الذي رفضه الفقهاء من علم الهيئة أو الفلك، هو ما كان يسمى " التنجيم " أو " علم النجوم " وهو ما يُدَّعَى فيه معرفة بعض الغيوب المستقبلية عن طريق النجوم، وهذا باطل، وهو الذي جاء فيه الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس مرفوعًا : " مَنْ اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر ". (رواه أبو داود في الطب (3905) وابن ماجة في الأدب (3726)، وأحمد في المسند (2000) وقال شاكر : إسناده صحيح، وصححه النووي في الرياض، والذهبي في الكبائر كما في فيض القدير 80/6).

وقال الإمام ابن دقيق العيد: الذي أقول : إن الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذنْ به الله . وأما إذا دلَّ الحساب على أن الهلال قد طلع على وجهٍ يُرَي، لكن وُجِدَ مانع من رؤيته كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي . ا هـ .

وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله : (لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلا لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذن، والله أعلم). (تلخيص الحبير مع المجموع 6/ 266، 267).

ولكن علم الفلك الحديث يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة وعلى الحساب الرياضي القطعي . ومن الخطأ الشائع لدى كثير من علماء الدين في هذا العصر، اعتقاد أن الحساب الفلكي هو حساب أصحاب التقاويم، أو النتائج، التي تطبعُ وتوزع على الناس، وفيها مواقيت الصلاة، وبدايات الشهور القمرية ونهايتها، وينسب هذا التقويم إلى زيد، وذاك إلى عمرو من الناس، الذين يعتمد معظمهم على كتب قديمة ينقلون منها تلك المواقيت، ويصفونها في تقويماتهم .

ومن المعروف أن هذه التقاويم تختلف بين بعضها وبعض، فمنها ما يجعـل شـعبان (29) يومًا، ومنها ما يجعله (30)، وكذلك رمضان، وذو القعدة وغيرها .

ومن أجل هذا الاختلاف رفضوها كلها ؛ لأنها لا تقوم على علم يقيني ؛ لأن اليقين لا يعارض بعضه بعضًا . وهذا صحيح بلا ريب، ولكن ليس هذا هو الحساب العلمي الفلكي الذي نعنيه .

إن الذي نعنيه هو ما يقرره علم الفلك الحديث، القائم على المشــاهدة والتجربة، والذي غدا يملك من الإمكانات العلمية والعملية " التكنولوجية " ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدًا، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته (1 ـ 100000 )" واحدًا إلى مائة ألف " في الثانية . وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيًا، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية، لو أردنا .

رؤية الهلال لإثبات الشهر وسيلة متغيرة لهدف ثابت:

وفي كتابي : " كيف نتعامل مع السنة " عدت إلى الموضوع عند الحديث عن أحد المعالم الأساسية في فهم السنة، وهو : التمييز بين الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة . وضربت لذلك أمثلة :

ثم قلت : ومما يمكن أن يدخل في هذا الباب : ما جاء في الحديث الصحيح المشهور : " صوموا لرؤيته ـ أي الهلال ـ وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له " وفي لفظ آخر " فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " .

فهنا يمكن للفقيه أن يقول : إن الحديث الشريف أشار إلى هدف، وعيّن وسيلة .

أما الهدف من الحديث فهو واضح بين، وهو أن يصوموا رمضان كله، ولا يضيعوا يومًا منه، أو يصوموا يومًا من شهر غيره، كشعبان أو شوال، وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه، بوسيلة ممكنة مقدورة لجمهور الناس، لا تكلفهم عنتًا ولا حرجًا في دينهم.

وكانت الرؤية بالأبصار هي الوسيلة السهلة والمقدورة لعامة الناس في ذلك العصر، فلهذا جاء الحديث بتعيينها ؛ لأنه لو كلفهم بوسيلة أخرى كالحساب الفلكي ــ والأمة في ذلك الحين أمية ولا تحسب ــ لأرهقهم من أمرهم عسرا، واللَّه يريد بأمته اليسر ولا يريد بهم العسر، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه : " إن اللّه بعثني معلمًا ميسرًا، ولم يبعثني معنتًا ". (رواه مسلم وغيره).

فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث، وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر، وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة غير معسورة، ولم تعد وسيلة صعبة المنال، ولا فوق طاقة الأمة، بعد أن أصبح فيها علماء وخبراء فلكيون وجيولوجيون وفيزيائيون متخصصون على المستوى العالمي، وبعد أن بلغ العلم البشري مبلغًا مكن الإنسان أن يصعد إلى القمر نفسه، وينزل على سطحه، ويجوس خلال أرضه، ويجلب نماذج من صخوره وأتربته ! فلماذا نجمد على الوسيلة ــ وهي ليست مقصودة لذاتها ــ ونغفل الهدف الذي نشده الحديث ؟ !

لقد أثبت الحديث دخول الشهر بخبر واحد أو اثنين يدعيان رؤية الهلال بالعين المجردة، حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمة، فكيف يتصور أن يرفض وسيلة لا يتطرق إليها الخطأ أو الوهم، أو الكذب، وسيلة بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد، إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقا بين بلد وآخر (في رمضان هذا العام (1409هـ) ثبت دخول رمضان يوم الخميس الموافق السادس من أبريل 1989 م في المملكة العربية السعودية، والكويت، وقطر، والبحرين، وتونس وغيرها، كلها برؤية المملكة، وثبت دخوله في مصر والأردن والعراق والجزائر والمغرب وغيرها يوم الجمعة، أما باكستان والهند وعمان وإيران وغيرها فصاموا يوم السبت !!.)، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم، ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أن أحدها هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال .

إن الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور، يجب أن يقبل من باب " قياس الأولي"، بمعني أن السنة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدني، لما يحيط بها من الشك والاحتمال ــ وهي الرؤية ــ لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفي بتحقيق المقصود، والخروج بالأمة من الاختلاف الشديد في تحديد بداية صيامها وفطرها وأضحاها، إلى الوحدة المنشودة في شعائرها وعباداتها، المتصلة بأخص أمور دينها، وألصقها بحياتها وكيانها الروحي، وهي وسيلة الحساب القطعي .

على أن العلامة المحدث الكبير الشيخ أحمد شاكر ــ رحمه اللّه ــ نحا بهذه القضية منحى آخر، فقد ذهب إلى إثبات دخول الشهر القمري بالحساب الفلكي، بناءً على أن الحكم باعتبار الرؤية معلل بعلة نصت عليها السنة نفسها، وقد انتفت الآن، فينبغي أن ينتفي معلولها، إذ من المقرر أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

ويحسن بنا أن ننقل هنا عبارته بنصها لما فيها من قوة ونصاعة، قال رحمه اللّه في رسالته " أوائل الشهور العربية " :

(فمما لا شك فيه أن العرب قبل الإسلام وفي صدر الإسلام لم يكونوا يعرفون العلوم الفلكية معرفة علمية جازمة، كانوا أمة أميين، لا يكتبون ولا يحسبون، ومن شدا منهم شيئًا من ذلك فإنما يعرف مبادئ أو قشورا، عرفها بالملاحظة والتتبع، أو بالسماع والخبر، لم تبن على قواعد رياضية، ولا على براهين قطعية ترجع إلى مقدمات أولية يقينية، ولذلك جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرجع إثبات الشهر في عبادتهم إلى الأمر القطعي المشاهد الذي هو في مقدور كل واحد منهم، أو في مقدور أكثرهم . وهو رؤية الهلال بالعين المجردة، فإن هذا أحكم وأضبط لمواقيت شعائرهم وعباداتهم، وهو الذي يصل إليه اليقين والثقة مما في استطاعتهم، ولا يكلف اللّه نفسًا إلا وسعها .

لم يكن مما يوافق حكمة الشارع أن يجعل مناط الإثبات في الأهلة الحساب والفلك، وهم لا يعرفون شيئًا من ذلك في حواضرهم، وكثير منهم بادون لا تصل إليهم أنباء الحواضر، إلا في فترات متقاربة حينا، ومتباعدة أحيانا، فلو جعله لهم بالحساب والفلك لأعنتهم، ولم يعرفه منهم إلا الشاذ والنادر في البوادي عن سماع إن وصل إليهم، ولم يعرفه أهل الحواضر إلا تقليدًا لبعض أهل الحساب، وأكثرهم أو كلهم من أهل الكتاب .

ثم فتح المسلمون الدنيا، وملكوا زمام العلوم، وتوسعوا في كل أفنانها، وترجموا علوم الأوائل، ونبغوا فيها، وكشفوا كثيرًا من خباياها، وحفظوها لمن بعدهم، ومنها علوم الفلك والهيئة وحساب النجوم .

وكان أكثر الفقهاء والمحدثين لا يعرفون علوم الفلك، أو هم يعرفون بعض مبادئها، وكان بعضهم، أو كثير منهم لا يثق بمن يعرفها ولا يطمئن إليه، بل كان بعضهم يرمي المشتغل بها بالزيغ والابتداع، ظنا منه أن هذه العلوم يتوسل بها أهلها إلى ادعاء العلم بالغيب ــ التنجيم ــ وكان بعضهم يدعي ذلك فعلا، فأساء إلى نفسه وإلى علمه، والفقهاء معذورون، ومن كان من الفقهاء والعلماء يعرف هذه العلوم لم يكن بمستطيع أن يحدد موقفها الصحيح بالنسبة إلى الدين والفقه، بل كان يشير إليها على تخوف .

هكذا كان شأنهم، إذ كانت العلوم الكونية غير ذائعة ذيعان العلوم الدينية وما إليها، ولم تكن قواعدها قطعية الثبوت عند العلماء .

وهذه الشريعة الغراء السمحة، باقية على الدهر، إلى أن يأذن اللّه بانتهاء هذه الحياة الدنيا، فهي تشريع لكل أمة، ولكل عصر، ولذلك نرى في نصوص الكتاب والسنة إشارات دقيقة لما يستحدث من الشئون، فإذا جاء مصداقها فسرت وعلمت، وإن فسرها المتقدمون على غير حقيقتها .

وقد أشير في السنة الصحيحة إلى ما نحن بصدده، فروى البخاري من حديث ابن عمـر عـن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنـا أمـة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهـر هكـذا وهكذا ... " يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (رواه البخاري في كتاب الصوم) . ورواه مالك في الموطأ (الموطأ 1/ 269) . والبخاري ومسلم وغيرهما بلفظ : " الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " .

وقد أصاب علماؤنا المتقدمون رحمهم اللّه في تفسير معنى الحديث . وأخطأوا في تأويله، ومن أجمع قول لهم في ذلك قول الحافظ ابن حجر (فتح الباري 108/4، 109).: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير . فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك . بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب الأصلي . ويوضحه قوله في الحديث الماضي : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين "، ولم يقل : فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء استوى فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض (لا ندري من ذا يريد الحافظ بالروافض ؟ إن كان يريد الشيعة الإمامية فالذي نعرفه من مذهبهم أنه لا يجوز الأخذ بالحساب عندهم، وإن كان يريد ناسًا آخرين فلا ندري من هم !! أحمد شاكر : أقول : أظن أن المراد بهم الإسماعيلية . فقد نقل أنهم يقولون بذلك "القرضاوي")، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي : وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة : وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل ا هـ.

فهذا التفسير صواب، في أن العبرة بالرؤية لا بالحساب، والتأويل خطأ، في أنه لو حدث من يعرف استمر الحكم في الصوم ـ أي باعتبار الرؤية وحدها ـ لأن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللا بعلة منصوصة، وهي أن الأمة " أمية لا تكتب ولا تحسب "، والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا خرجت الأمة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن الناس ــ عامتهم وخاصتهم ـ أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، وأمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوي، إذا صار هذا شأنهم في جماعتهم وزالت علة الأمية : وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخـذوا في إثبات الأهلـة بالحسـاب وحـده، وألا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين استعصى عليهم العلم به، كما إذا كان ناس في بادية أو قرية، لا تصل إليهم الأخبار الصحيحة الثابتة عن أهل الحساب .

وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه، وجب أيضًا الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة، وإطراح إمكان الرؤية وعدم إمكانها، فيكون أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدة. (المرجح أن يبقى بعد الغروب مده يمكن فيها ظهوره، بحيث يمكن رؤيته بالعين المجردة، وذلك نحو (15) أو (20) دقيقة على ما ذكر أهل الاختصاص، "القرضاوي").

وما كان قولي هذا بدعًا من الأقوال : أن يختلف الحكم باختلاف أحوال المكلفين فإن هذا في الشريعة كثير، يعرفه أهل العلم وغيرهم، ومن أمثلة ذلك في مسألتنا هذه : أن الحديث : " فإن غم عليكم فاقدروا له " ورد بألفاظ أخر، في بعضها : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ففسر العلماء الرواية المجملة : " فاقدروا له " بالرواية المفسرة: " فأكملوا العدة " ولكن إمامًا عظيمًا من أئمة الشافعية، بل هو إمامهم في وقته، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج ( "سريج" بالسين المهملة المضمومة وآخره جيم، ويكتب خطأ في كثير من الكتب المطبوعة " شريح " بالشين والحاء، وهو تصحيف . وأبو العباس هذا توفي سنة 306 هـ وهو من تلاميذ أبي داود صاحب السنن، وقال في شأنه أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص 89 : " كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني " وله تراجم جيدة في تاريخ بغداد للخطيب 4 /278 - 290، وطبقات الشافعية لابن السبكي 2/ 67 - 96)، جمع بين الروايتين، بجعلهما في حالين مختلفين : أن قوله : " فاقدروا له " معناه : قدروه بحسب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه اللّه بهذا العلم، وأن قوله : " فأكملوا العدة "خطاب للعامة (انظر : شرح القاضي أبي بكر بن العربي على الترمذي 3 /207، 208، وطرح التثريب 4/ 111 - 113 وفتح الباري 4/ 104).

فقولي هذا يكاد ينظر إلى قول ابن سريج، إلا أنه جعله خاصًا بما إذا غم الشهر فلم يره الراؤون، وجعل حكم الأخذ بالحساب للأقلين، على ما كان في وقته من قلة عدد العارفين، وعدم الثقة بقولهم وحسابهم، وبطء وصول الأخبار إلى البلاد الأخرى، إذا ثبت الشهر في بعضها، وأما قولي فإنه يقضي بعموم الأخذ بالحساب الدقيق الموثوق به، وعموم ذلك على الناس، بما يسر في هذه الأيام من سرعة وصول الأخبار وذيوعها . ويبقي الاعتماد على الرؤية للأقل النادر، ممن لا يصل إليه الأخبار، ولا يجد ما يثق به من معرفة الفلك ومنازل الشمس والقمر .

ولقد أرى قولي هذا أعدل الأقوال، وأقربها إلى الفقه السليم، وإلى الفهم الصحيح للأحاديث الواردة في هذا الباب). (رسالة " أوائل الشهور العربية " ص 7 - 17 نشر مكتبة ابن تيمية)

هذا ما كتبه العلامة شاكر منذ أكثر من نصف قرن ـ ذي الحجة 1357 هـ الموافق يناير 1939 م .

ولم يكن علم الفلك في ذلك الوقت قد وصل إلى ما وصل إليه اليوم من وثبات استطاع بها الإنسان أن يغزو الفضاء، ويصعد إلى القمر، وانتهى هذا العلم إلى درجة من الدقة، غدا احتمال الخطأ فيها بنسبة واحدة إلى مائة ألف في الثانية !!

كتب هذا الشيخ شاكر وهو رجل حديث وأثر قبل كل شيء، عاش حياته -رحمه اللّه- لخدمة الحديث، ونصرة السنة النبوية، فهو رجل سلفي خالص، رجل اتباع لا رجل ابتداع، ولكنه -رحمه اللّه- لم يفهم السلفية على أنها جمود على ما قاله من قبلنا من السلف، بل السلفية الحق أن ننهج نهجهم، ونشرب روحهم، فنجتهد لزمننا كما اجتهدوا لزمنهم، ونعالج واقعنا بعقولنا لا بعقولهم، غير مقيدين إلا بقواطع الشريعة، ومحكمات نصوصها، وكليات مقاصدها .

هذا وقد قرأت مقالاً مطولاً في شهر رمضان لهذا العام (1409 هـ) لأحد المشايخ الفضلاء (هو سماحة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية، وقد نشر مقاله في عكاظ وغيرها من الصحف اليومية بالمملكة في 21 رمضان 1409 هـ)، أشار فيه إلى أن الحـديث النبوي الصـحيح : " نحـن أمـة أمـية لا نكـتب ولا نحسب " يتضمن نفي الحساب، وإسقاط اعتباره لدى الأمة .

ولو صح هذا لكان الحديث يدل على نفي الكتابة، وإسقاط اعتبارها، فقد تضمن الحديث أمرين دلل بها على أمية الأمة، وهما : الكتابة والحساب .

ولم يقل أحد في القديم ولا في الحديث : إن الكتابة أمر مذموم أو مرغوب عنه بالنسبة للأمة، بل الكتابة أمر مطلوب، دل عليه القرآن والسنة والإجماع.

وأول من بدأ بنشر الكتابة هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما هو معلوم من سيرته، وموقفه من أسرى بدر.

ومما قيل في هذا الصدد : أن الرسول لم يشرع لنا العمل بالحساب، ولم يأمرنا باعتباره، وإنما أمرنا باعتبار " الرؤية " والأخذ بها في إثبات الشهر.

وهذا الكلام فيه شيء من الغلط أو المغالطة، لأمرين:

الأول : أنه لا يعقل أن يأمر الرسول بالاعتداد بالحساب، في وقت كانت فيه الأمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، فشرع لها الوسيلة المناسبة لها زمانًا ومكانًا، وهي الرؤية، المقدورة لجمهور الناس في عصره، ولكن إذا وجدت وسيلة أدق وأضبط وأبعد عن الغلط والوهم، فليس في السنة ما يمنع اعتبارها:

الثاني : أن السنة أشارت بالفعل إلى اعتبار الحساب في حالة الغيم، وهو ما رواه البخاري في كتاب الصوم من جامعه الصحيح بسلسلته الذهبية المعروفة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان، فقال : " لا تصـوموا حتى تروا الهـلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " (قدر يقدر - بالضم والكسر - بمعنى قدّر، ومنه قوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون).

وهذا " القَدْر " له أو "التقدير " المأمور به، يمكن أن يدخل فيه اعتبار الحساب لمن يحسنه، ويصل به إلى أمر تطمئن الأنفس إلى صحته، وهو ما أصبح في عصرنا في مرتبة القطعيات، كما هو مقرر معلوم لدى كل من عنده أدنى معرفة بعلوم العصر، وإلى أي مدى ارتقى فيها الإنسان الذي علمه ربه ما لم يكن يعلم .

وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي ــ على الأقل ــ في النفي لا في الإثبات، تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاء الإسلامية وبعض . ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأى الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال : إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي ــ كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال؛ لأن الواقع ــ الذي أثبته العلم الرياضي القطعي ــ يكذبهم . بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.

هذا ما اقتنعت به وتحدثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدة، ثم شاء اللّه أن أجده مشروحًا مفصلاً لأحد كبار الفقهاء الشافعية، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) الذي قالوا عنه : إنه بلغ مرتبة الاجتهاد.

فقد ذكر السبكي في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية، فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، قال : (لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلاً عن أن يقدم عليه).

وذكر أن من شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضـية من القضــايا، فإن رأي الحـس أو العـيان يكذبها ردهـا ولا كـرامة . قال : (والبينـة شـرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسًا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان اسـتحال القول شرعًا، لاسـتحالة المشــهود به، والشرع لا يأتي بالمســتحيلات .

أما شهادة الشهود فتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب). (انظر : فتاوى السبكي 219/1، 220 نشر مكتبة القدس بالقاهرة).

فكيف لو عاش السبكي إلى عصرنا ورأي من تقدم علم الفلك ـ أو الهيئة كما كانوا يسمونه ـ ما أشرنا إلى بعضه ؟!

وقد ذكر الشيخ شاكر في بحثه أن الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الشهير في وقته، كان له رأي ـ حين كان رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية ـ مثل رأي السبكي، برد شهادة الشهود إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، قال الشيخ شاكر : (وكنت أنا وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه، وأنا أصرح الآن أنه كان على صواب. وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب في كل الأحوال . إلا لمن استعصى عليه العلم به). (رسالة "أوائل الشهور العربية" للشيخ شاكر ص 15) . ا هـ

حقائق ينبغي أن يتفق عليها :

ومع ترجيحي للعمل بالحساب على الأقل في النفي لا في الإثبات كما ذكرت، يجب أن أؤكد هنا حقائق ثلاثًا، ينبغي ألا يختلف عليها :

الأولى : أن في هذا الأمر ـ أعني ما يتعلق بإثبات دخول الشهر ـ سعة ومرونة بالنظر إلى نصوص الشرع، وأحكامه، واختلاف العلماء في هذا المقام توسعة ورحمة للأمة . فمَنْ أثبتَ دخول الشهر بعدل أو عدلين، أو اشترط جمًا غفيرًا لم يبعد عما قال به بعض فقهاء الأمة المعتبرين، بل مَنْ قال بالحساب وجد له في السلف قائلاً، منذ عهد التابعين فمَنْ بعدهم . ومن اعتبر اختلاف المطالع، ومَنْ لم يعتبرها له سلفه، وله دليله، فلا يجوز أن ينكر على من أخذ بأحد هذه المذاهب والاجتهادات، وإن رآها هو خطأ، إذ القاعدة : « أن لا إنكار في المسائل الاجتهادية " .

الثانية : أن الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يومًا من شعبان أو أفطروا يومًا من رمضان، فإن الله تعالى أهلٌ لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا : (ربنا لا تُؤاخِذْنا إن نَسِينا أو أخطأنا). (البقرة : 286)

حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في الواقع ونفس الأمر، فإن حجهم صحيح ومقبول، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

الثالثة : أن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، وسائر شعائرهم وشرائعهم، أمرٌ مطلوب دائما، ولا ينبغي اليأس من الوصول إليه، ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال، هو : أننا إذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد .

فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد، أو المدينة الواحدة، فيصوم فريقٌ اليوم على أنه من رمضان، ويفطر آخرون على أنه من شعبان، وفي آخر الشهر تصومُ جماعة، وتعيد أخري، فهذا وضع غير مقبول .

فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم، أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها .

فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسئولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي ــ المحكمة العليا، أو دار الإفتاء، أو رئاسة الشؤون الدينية، أو غيرها ــ قرارها بالصوم أو بالإفطار، فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام ؛ لأنها طاعة في المعروف، وإن كان ذلك مخالفا لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول : إنَّ لكل بلد رؤيته .

وقـد ثبتَ عـن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنــه قـال : " صومكم يــوم تصومـون، وفطـركم يــوم تفطـرون " (الترمذي : وقال : حسن غريب 697)، وفي لفـظ " وفطـركم يــوم تفطــرون وأضحاكـم يـــوم تضحــون " أبو داود (2324)، وابن ماجة (1660)، بلفظ : "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون " رواه من طريق حماد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال الشيخ شاكر : (وهذا إسناد صحيح جدًا على شرط الشيخين)، وقد روى أبـو داود هذا الحـديث تحـت عنــوان "بـاب إذا أخــطأ القـوم الهلال " .

قال الإمام الخطابي : معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده . ا هـ .



8-ثبوت دخول الشهر بالنهار:.

إذا قامت البينة بإثبات دخول رمضان في أثناء النهار لزم المكلف الإمساك بقيته، لتعذر إمساك جميع اليوم، فوجب أن يأتي بما يقدر عليه لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن :16).

وهل يلزمه قضاء هذا اليوم؟ قولان للعلماء:.

الأول: وهو رأي الجمهور: يقضي.

الثاني: لا يقضي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (المبدع في شرح المقنع -12/3). كما لو لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب.

واستدل ابن حزم بما رواه مسلم في صحيحه عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة:.

"من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه.

وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: "من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل".

وروى البخاري عن سملة نحوه أيضا.

قال ابن حزم: (ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه.. فكان هذا حكم صوم الفرض.. وإنما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه - من ناس أو جاهل أو نائم - فحكمهم كلهم هو الحكم الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استدراك النية في اليوم المذكور، متى علموا بوجوب صومه عليهم، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائمًا، وجعل فعله صومًا، وبالله تعالى التوفيق) (انظر المحلي -461/6-463- مطبعة الإمام، المسألة -729).



9-حقائق ينبغي أن يتفق عليها:.

وينبغي أن أؤكد هنا حقائق ثلاثًا، ينبغي ألا يختلف عليها:.

الأولى: أن في هذا الأمر - أعني ما يتعلق بإثبات دخول الشهر - سعة ومرونة بالنظر إلى نصوص الشرع، وأحكامه، واختلاف العلماء في هذا المقام توسعة ورحمة للأمة.

فمن أثبت دخول الشهر بعدل أو عدلين، أو اشترط جما غفيرًا لم يبعد عما قال به بعض فقهاء الأمة المعتبرين.

بل من قال بالحساب وجد له في السلف قائلا، منذ عهد التابعين فمن بعدهم.

ومن اعتبر اختلاف المطالع، ومن لم يعتبرها له سلفه، وله دليله ووجهته.

فلا يجوز أن ينكر على من أخذ بأحد هذه المذاهب والاجتهادات، وإن رآها هو خطأ، إذ القاعدة: لا إنكار في المسائل الاجتهادية.

الثانية: أن الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يوما من شعبان أو أفطروا يوما من رمضان، فإن الله تعالى أهل لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة :286).

حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في الواقع ونفس الأمر، فإن حجهم صحيح ومقبول، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

الثالثة: أن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، وسائر شعائرهم وشرائعهم، أمر مطلوب دائمًا، ولا ينبغي اليأس من الوصول إليه ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال، هو: أننا إذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد.

فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد، أو المدينة الواحدة، فيصوم فريق اليوم على أنه من رمضان، ويفطر آخرون على أنه من شعبان، وفي آخر الشهر تصوم جماعة، وتعيّد أخرى فهذا وضع غير مقبول.

فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم، أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها.

فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي - المحكمة العليا، أو دار الإفتاء، أو رئاسة الشؤون الدينية، أو غيرها - قرارها بالصوم أو بالإفطار، فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام، لأنها طاعة في المعروف، وإن كان ذلك مخالفًا لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إن لكل بلد رؤيته.

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" (الترمذي، وقال: حسن غريب -697). وفي لفظ: "وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" (أبو داود -2324 ؛ وابن ماجه -1660 بلفظ "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" رواه من طريق حماد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال الشيخ شاكر: وهذا إسناد صحيح جدًا على شرط الشيخين ا هـ).

وقد روى أبو داود هذا الحديث تحت عنوان: (باب إذا أخطأ القوم الهلال)، قال الإمام الخطابي: معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.

توقيع هـــاوي
 

¬°•| سبحانك اللهم وبحمدك .. استغفرك واتوب اليك |•°¬
¬°•| سبـحان الله وبحمدهـ عدد خلقه وزنه عرشه ومداد كلمته |•°¬
¬°•|منتديات نوكيا الشرق الاوسط .. لاندعي القمـه ولكن .. نسعى للوصول إليها |•°¬
¬°•|اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات ليوم الدين |•°¬
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!

  #2  
قديم 21-10-2005, 06:23 PM
جديد
 




yzzd is on a distinguished road

افتراضي مشاركة: الصيام وحكمته.

جزاك الله خير

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #3  
قديم 23-10-2005, 04:02 PM
الصورة الرمزية مبرمج
عضو ذهبي
 





مبرمج will become famous soon enough مبرمج will become famous soon enough

افتراضي مشاركة: الصيام وحكمته.

بارك الله بك وجزاك الله خير

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع

مجموعات Google
اشتراك في مجموعة ابوجاسم البريديه‏
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة


المواقع الصديقة